دراسة نحوية دلالية عن معاني حروف الزيادة عند النحاة

اذهب الى الأسفل

دراسة نحوية دلالية عن معاني حروف الزيادة عند النحاة

مُساهمة من طرف  في الثلاثاء أغسطس 10, 2010 5:09 am

د. محمد جمعة حسن نبعة
أستاذ اللغة العربية المساعد
كلية التربية/النادرة ــ جامعة إب



لو تتبعنا آراء علماء العربية والتفسير والنحو، لنتعرف على مقصدهم من معاني حروف الزيادة في الكتاب العزيز، لوجدناهم مختلفين بين مثبت لها وناف، فمنهم من أنكر أن يكون في كتاب الله حرف زائد، حيث أنكر من ذهب هذا المذهب كالرازي، وابن القيم أن يكون في كلام الله حشو، أو لغو، أو زيادة، وإن كان المثبتون لها هم أكثر أهل العلم حيث يسمونها أسماء أخر قال الزركشي في البرهان : (1)
كثيرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في كتاب الله، ويسمونه التأكيد ومنهم من يسميه بالصلة، ومنهم من يسميه المقحم، قال ابن جني : كل حرف زيد في كلام العرب، فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى.
فقول الزركشي " كثيرون " الذين يمنعون إطلاق لفظ الزيادة، وإنما يسمونه بما ذكر، لأنه كما قال ابن القيم في بدائع الفوائد(2).
إنه ليس في القرآن حرف زائد، وأن كل لفظة لها فائدة متجددة، زائدة عن أصل التركيب.
قال الزركشي في البرهان (3) : واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين، والصلة والحشو من عبارة الكوفيين، قال سيبويه في الكتاب عقب قولـه تعالى : " فبما نقضهم" إن "ما" لغو لأنها لم تُحدث شيئاً.
والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى، فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى.
ونحن في دراستنا لهذه الظاهرة في القرآن الكريم، نذهب إلى إثبات الزيادة بمعانيها التي وردت لها، وإنه لا يوجد حرف زائد في القرآن، أي دخولـه كخروجه، كما ذهب إلى ذلك بعضهم مثل المالقي في رصف المباني وسنعود إلى ذلك بالتفصيل ثم يتابع الزركشي كلامه قائلاً : (4)
وقد اختلف في وقوع الزائد في القرآن، فمنهم من أنكره، كما ذكرت آنفاً - قال الطرطوسي في "العمدة"(5) زعم المبرد وثعلب ألاّ صلة في القرآن، والدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن، وقد وجد ذلك على وجد لا يسعنا إنكاره فذُكر كثيراً.
وقال ابن الخباز في التوجيه : وعند ابن السراج(6) أنه ليس في كلام العرب زائد، لأنه تكلمُ بغير فائدة، وما جاء منه حَمَلَهُ على التوكيد.
ومنهم من جوّزه، وجعل وجوده كالعدم، وهو أفسد الطرق فنحن أمام هذه الآراء المتعارضة، والرأي الغالب هو ما ذكره الطرطوسي في العمدة فيما نقلـه عن الدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين، أي عامة الفقهاء والعلماء والمفسرين وهذا هو الرأي الغالب في هذه المسألة، أما آراء المخالفين فسيرد عليها من خلال إيضاح معاني حروف الزيادة وبيان وجوه استعمالها، ودلالتها وأصالتها، من خلال دراستنا هذه. فإذاً المقصود بالزيادة التي ذهب إليها المجيزون، هي الزيادة الإعرابية وليس الزيادة اللفظية. والمقصود بهذه الزيادة معنى التوكيد سواء أكان هذا التوكيد للنفي أم للإثبات؟ أم بمثابة إعادة الجملة أو تكرارها، أو غير ذلك.
صحيح أننا أمام اختلاف بين العلماء في تحديد مصطلح الزيادة، وقد ذكرت في هذه المقدمة الموجزة آراء العلماء التي ذكرها الزركشي في كتاب البرهان، ولن اقتصر على ذكر مواضع الزيادة فقط وإنما سأبين دلالة حروف الزيادة من خلال سياقاتها كما وردت في القرآن الكريم، لأننا لا نستطيع أن ننزع الكلمة القرآنية عن سياقها، فالسياق هو الذي يحدد معناها ودلالتها وقيمتها اللفظية والمعنوية. وقبل أن أَلِجَ في بحثي أود أن أذكر بعض التنبيهات التي ذكرها الزركشي في البرهان، لتكون إشارات ودلائل في هذا البحث(7).
التنبيه الأول : أهل الصناعة يطلقون الزائد على وجوه : منها ما يتعلق به هنا، وهو ما أقحم تأكيداً نحو " فبما رحمة من الله لنت لهم" [ آل عمران 159] وقولـه تعالى "إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة"[البقرة 26] وقولـه تعالى"ليس كمثلـه شيء"[الشورى11]، ومعنى كونه زائداً، أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة.
وسئل بعض العلماء عن التوكيد بالحرف، وما معناه؟ - إذ إسقاط الحرف لا يخل بالمعنى - فقال : هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا يجدونه بإسقاط الحرف، قال : ومثال ذلك العارف بوزن الشعر طبعاً، فإذا تغير البيت بزيادة أو نقص أنكره، وقال به أجد نفسي على خلاف ما أجده بإقامة الوزن، فكذلك هذه الحروف تتغير نفس المطبوع عند نقصانها، ويجد نفسه بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقصانه.
الثاني : حق الزيادة أن تكون في الحرف وفي الأفعال، وأما الأسماء فنص أكثر النحويين على أنها لا تزاد.
الثالث : حقها أن تكون آخراً وحشواً، وأما وقوعها أولاً فلا، لما بينهما من التناقض إذ قضية الزيادة إمكان إطراحها، وقضية التصدير الاهتمام.
وحروف الزيادة التي ذكرها أكثر علماء العربية، وأصحاب كتب حروف المباني والمفسرون سبعة إنْ، أنْ، وما، مِنْ، والباء، واللام، بمعنى أنها تأتي في بعض الموارد زائدة، لا أنها لازمة للزيادة، ثم ليس المراد حصر الزوائد فيها، فقد زادوا الكاف وغيرها، بل المراد أن الأكثر في الزيادة أن تكون بها(.
وقد أورد العلماء معاني هذه الحروف على أنها :
· تفيد توكيد العموم : أي توكيد المعنى العام للجملة.
· التنصيص على العموم.
· التوكيد لدفع توهم إرادة الجمع كما في لا.
· توكيد إثبات.
· توكيد نفي.
إلى غير ذلك من المعاني التي سأعرض لها عند الكلام على الآيات التي تتضمن حروفاً زائدة وبيان دلالتها من خلال السياق.
وإن كل مَنْ يدعى أنه لا زيادة في القرآن بالمعنى الذي ذكرت، إنما يذهب إلى إنزال القرآن منزلة أقل من مستوى كلام العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وتحداهم وقهرهم وأعجزهم عن أن يأتوا بمثلـه، فكل زيادة وردت في الكتاب العزيز كان لها معنى ومدلول وسر بلاغي لم يفقهه إلا من تملك ناصية اللغة العربية، وأتقنها شعراً ونثراً وبلاغة.
وهؤلاء هم أجلاء أهل العلم والفقه، من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة.
ومن رد الزيادة بهذه المعاني التي ذكرت بعضها، وبدعوى أنها إساءة إلى كتاب الله تعالى، فقد قام بلي أعناق النصوص والآيات، وتجشم الصعاب متكلفاً ما لا طائل وراءه، وليس يشين كتاب الله إذا نهج على منوال كلام العرب، وسلك مسلكهم في الخطاب، أن تكون فيه هذه الزيادة الرائعة الحبيبة إلى النفس المتأولة تأويلاً سليماً.
هذا من جهة الإعراب واللغة والمعنى، أما من جهة العقيدة وما يتعلق بها، فالضرورة قائمة لتأويل هذه الحروف بأنها زائدة لتوكيد النفي، مثل قولـه تعالى "ليس كمثلـه شيء"(9) فإن لم تكن الكاف في "كمثله" زائدة لتوكيد ليس التي تفيد النفي، فإن المعنى سيختل، وقد ذهب إلى هذا التأويل جمهور أهل العربية، وأجلاء علماء العقيدة والبلاغة والأصول، وكلهم أثبت زيادة الكاف لتوكيد النفي في هذه الآية.
ولندع بعض المعاصرين يتحملون التأويل البعيد، ليثبت عدم وجود هذه الزيادة في القرآن الكريم ظاناً أنه يدافع عن كتاب الله العزيز، وذلك من غير ما حُجّةٍ واضحة أو دليل مقنع، بل هو هروب من المعنى الواضح الجلي، إلى المعنى الغامض الذي لا يظهر قوة ولا إعجازاً، لهذا الكتاب المبارك.
وقضية الزيادة بمعانيها، هي من اختصاص علماء النحو، وقد لا أبالغ إذا قلت: إنهم أجمعوا على زيادة الحروف، ولمعان ذكروها في مظانها،وعلماء النحو هم الحجة في هذا الفن من لدن سيبويه إلى علماء العصر الحاضر، ولن أعرض لكل الحروف التي غالى بعضهم وعدها زائدة، وإنما سأقصر بحثي على ما كانت فيه الزيادة واضحة جلية، لا تحتمل التأويل والخلاف الكبير، وسأبدأ بدراسة هذه الحروف بناء على ترتيبها على حروف المعجم وكما وردت في كتب النحو، مثل المغني لابن هشام، ورصف المعاني للمالقي، والجني الداني للمرادي، وأبدأ بالحرف.




يتبع ...
المرفقات
معاني حروف الزيادة ـ محمد جمعة.docx لا تتوفر على صلاحيات كافية لتحميل هذه المرفقات.(68 Ko) عدد مرات التنزيل 0


تاريخ التسجيل : 01/01/1970

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى